انهيار مخيم الهول يكشف فوضى ما بعد الانسحاب ومصير آلاف العائلات المجهول

انهيار مخيم الهول يكشف فوضى ما بعد الانسحاب ومصير آلاف العائلات المجهول
إحدى خيام مخيم الهول فارغة من قاطنيها

في مشهد يختصر سنوات من التعقيد الإنساني والأمني، يقف مخيم الهول في شمال شرق سوريا اليوم شبه خالٍ، بعد أن كان أحد أكثر الأماكن اكتظاظا بالعائلات المرتبطة بتنظيم داعش، وترسم روايات شهود عيان صورة صادمة لما جرى عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المخيم في 20 يناير الماضي، حيث سادت الفوضى خلال ساعات قليلة، وتفرقت آلاف العائلات نحو وجهات مجهولة، تاركة خلفها خياما خاوية وذكريات ثقيلة.

ووفقا لما أوردته وكالة فرانس برس، الخميس، أظهرت جولة من داخل المخيم الواقع في محافظة الحسكة مشهدا أقرب إلى مدينة مهجورة، يتجسد في خيام فارغة، وملابس مبعثرة،و دفاتر أطفال تحمل كتابات بلغات مختلفة، وألعاب صغيرة بقيت شاهدة على حياة توقفت فجأة، وقد تحول المكان الذي كان يضم أكثر من 23000 شخص إلى فضاء صامت، بعدما كان يوصف لسنوات بأنه بؤرة شديدة الحساسية أمنيا وإنسانيا.

لحظة الانسحاب وبداية الفوضى

يروي سكان محليون أن انسحاب قوات سوريا الديمقراطية تم بشكل مفاجئ، ما فتح الباب أمام حالة من الانفلات، فخلال ساعات، اندفعت مجموعات من الأهالي ومقاتلي العشائر إلى محيط مخيم الهول، وبدأت عمليات خروج جماعي غير منظمة، وبعض العائلات غادرت بمساعدة سيارات خاصة، بينما تاه آخرون في الطرقات دون وجهة واضحة.

يقول صالح محمود الحافظ، وهو من سكان المنطقة، إن الفوضى كانت عارمة خلال لحظات، مضيفا أن كل من استطاع المغادرة فعل ذلك، فيما هامت عائلات بأكملها في محيط المخيم دون أي تنظيم أو إشراف.

مشاهد مماثلة يرويها مرهف العليان، الذي أكد أن سيارات جاءت بشكل سريع لتحمل العائلات وتنقلها، مشيرا إلى أن بعض من قادوا تلك العمليات كانوا يرتدون ملابس عسكرية مموهة، ما يزيد من غموض الجهات التي تولت إخراج هؤلاء.

وصول متأخر للقوات الحكومية

بعد نحو 6 ساعات من انسحاب قوات سوريا الديمقراطية، وصلت القوات الحكومية السورية إلى مخيم الهول، ووصفت وزارة الداخلية السورية الانسحاب بأنه غير منسق، مؤكدة أن هذا التأخير ساهم في تفاقم حالة الفوضى وخروج أعداد كبيرة من السكان دون رقابة.

في الطريق إلى المخيم، انتشرت حواجز أمنية تابعة للقوات الحكومية، في محاولة لضبط الوضع، إلا أن كثيرين كانوا قد غادروا بالفعل، كما مُنع سكان محليون من الدخول لاستعادة ممتلكاتهم، فيما بدت الخيام المتداعية وأكوام القمامة دليلا على انسحاب سريع وغياب تام للمنظمات الإنسانية التي كانت تقدم خدمات أساسية لسنوات.

روايات متضاربة حول المسؤولية

الجدل حول ما حدث لا يزال محتدما، فقد أقر المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا بحدوث حالات هروب جماعي، محملا قوات سوريا الديمقراطية مسؤولية الانسحاب دون إخطار مسبق.

في المقابل، رفضت قوات سوريا الديمقراطية هذه الاتهامات، ووصفتها بغير المسؤولة، مؤكدة أنها اضطرت للانسحاب نتيجة هجمات وتحركات عسكرية من فصائل موالية للحكومة، إضافة إلى ما وصفته بتحركات داخلية من عائلات تنظيم داعش لإثارة الفوضى.

الهروب إلى المجهول

تشير تقارير وشهادات إلى أن نسبة كبيرة من عناصر العائلات الأجنبية الذين كانوا في المخيم تمكنوا من مغادرته، وكان المخيم يضم نحو 6500 أجنبي من 44 جنسية، كانوا يعيشون في قسم يخضع لحراسة مشددة.

في فبراير، أفادت مصادر إنسانية بأن معظم هؤلاء غادروا بالفعل، بينما تم رصد وصول بعض الأطفال من جنسيات مختلفة، بينها الأوزبكية، إلى مدارس في محافظة إدلب، التي ظلت لسنوات مركزا لتجمع مقاتلين أجانب.

هذا الانتقال غير المنظم يثير مخاوف أمنية كبيرة، إذ قد يؤدي إلى إعادة انتشار عناصر مرتبطة بالتنظيم في مناطق مختلفة، وربما إعادة تشكيل خلايا جديدة.

مخاطر إنسانية متفاقمة

المنظمات الحقوقية حذرت من تداعيات ما حدث. تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش أشار إلى أن عمليات الخروج تمت بطريقة فوضوية، ما عرض النساء والأطفال لمخاطر جسيمة، بينها الاتجار بالبشر والاستغلال والتجنيد من قبل جماعات مسلحة.

هذه الفئة، التي كانت أصلا تعيش في ظروف صعبة داخل المخيم، أصبحت الآن أكثر هشاشة في ظل غياب أي آلية حماية واضحة، وكثير من الأطفال الذين ولدوا ونشأوا داخل المخيم باتوا اليوم بلا تعليم أو رعاية أو حتى هوية واضحة.

إغلاق المخيم ونهاية مرحلة

أعلنت السلطات السورية إغلاق مخيم الهول بعد نقل آخر قاطنيه إلى مخيم آخر في محافظة حلب، هذه الخطوة تمثل نهاية مرحلة استمرت سنوات، لكنها تفتح في الوقت نفسه بابا واسعا من التساؤلات حول مصير الآلاف الذين غادروا.

كما يأتي ذلك في سياق تغييرات أوسع، حيث سيطرت القوات الحكومية على مناطق واسعة كانت تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية، في إطار اتفاق ينص على دمج تدريجي للقوات والإدارات الكردية ضمن مؤسسات الدولة.

ورغم هذا التحول، لا تزال مناطق أخرى مثل مخيم روج، الذي يضم نحو 2200 شخص معظمهم أجانب، تحت سيطرة القوات الكردية، ما يعني أن ملف عائلات تنظيم الدولة الإسلامية لم يُغلق بعد.

أنشئ مخيم الهول بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا، ليضم عائلات المقاتلين الذين تم اعتقالهم أو قتلهم خلال المعارك. على مدار سنوات، تحول المخيم إلى قضية دولية معقدة، حيث رفضت العديد من الدول استعادة مواطنيها، خصوصا النساء والأطفال، رغم الدعوات المتكررة من الإدارة الكردية.

كان المخيم يدار من قبل قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي، وشهد تحديات أمنية مستمرة، بينها محاولات هروب وعمليات عنف داخلية، كما اعتبره خبراء بيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف، خاصة في ظل غياب برامج إعادة تأهيل فعالة.

ومع التطورات الأخيرة، أعلنت الولايات المتحدة نقل أكثر من 5700 من عناصر التنظيم من معتقلات في شمال شرق سوريا إلى العراق، في خطوة تهدف إلى تقليل المخاطر الأمنية، لكنها تعكس أيضا حجم التعقيد الذي لا يزال يحيط بهذا الملف.

اليوم، وبعد أن أصبح المخيم شبه فارغ، لم تنتهِ القصة، بل دخلت مرحلة أكثر غموضا، حيث تتقاطع الأسئلة حول الأمن والعدالة والإنسانية، في ظل مصير غير واضح لآلاف الأشخاص الذين اختفوا من خيام الهول إلى طرقات مفتوحة على كل الاحتمالات.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية